غير مصنف

تشرين التي ولدت حبلى!

كانت انتفاضة تشرين ناقوساً ينبه جميع المعنيين بالشأن العراقي إلى ضرورة تلبية استحقاقات الدولة والتوقف عن عبث الطائفية ونشوة الثأر المقدس، وأخذت على عاتقها تقديم بديل سياسي وثقافي وإعلاء الهوية الوطنية التي كان على النخبة السياسية، مستعينة بالاوساط الثقافية تبنيها وتنميتها، لإزاحة العقائد المجتمعية الثأرية التي خلفت عقود الموت والخراب الشامل.

تشرين اشبه بنزوة شباب حالمين بوطن يفخر بهم ويفخرون به، ويقبلهم ويلبي احتياجاتهم، حالمين بعراق يسابق الزمن ليلتحق بمارثونات الشعوب نحو التفوق والازدهار والابداع الخلاق. وكان شبابها على استعداد كامل للانخراط في “حشد وطني” يتحدى الظروف لبناء وطن آن له النهوض ولشعبه اليقظة بعد سبات طويل!

قد تكون أحلام التشرينيين سابقة للزمن لكن تضحياتهم قفزت بنا إلى الأمام وفرضت طرح اسئلة “المواطنة” العراقية والنضال من أجل تحقيقها، لكنها جوبهت بقمع وحشي وانتقام دموي شرس مما فرض على شبابها التصدي بانفسهم لمسؤوليات لم يستعدوا لها ولم يرغبوا فيها وأهمها تشكيل تنظيمات موازية لقوى السلطة وصياغة رؤى وكتابة مشاريع واعتماد آليات تهدف الى التعويض عن غياب النخبة الوطنية المفكرة والمشتغلة سياسيا وثقافيا في خلق ملامح “المواطنة” العراقية الجامعة.

اليوم تقف تشرين مثقلة بجراح غائرة في ضمير شبانها أمام خيارات أحلاها مرّ، فمن خذلان دولي واقليمي يؤكد عدم الاكتراث بملايين العراقيين الذين أرهقهم الموت والقهر، وبين غدر ولاة الأمر تواطئهم على ذبحها في ليلة عرسها، ومن خيانات موجعة اشترك فيها القريب والبعيد والعدو مع الصديق، جميعهم تكالبوا عليها.

تقف ”تشرين“ لتقرر مصيرها بين التوقف عند هذا الحد أو استكمال استحقاقاتها الوطنية والاخلاقية والتاريخية وهي ”والحال هذه“ أمام خيارات محدودة:

أولها: استمرار الاحتجاج والتظاهر السلمي في مواجهة آلة القتل الغادرة دون رادع أو حسيب.

وثانيها: الذهاب نحو الاشتراك في الانتخابات “المبكرة” على الرغم من فقدان الحدّ الادنى من ضمانات استعادة “الدولة المختطفة” بحكم السلاح ”المقنن“ والموجه عقائديا من خارج الحدود، وطوفان المال السياسي الفاسد الذي خلف ملايين الجياع والمرضى والمعوزين يتضورون من قهر الحرمان، مكبلين بشراك الجهل والإهمال، وبين مؤسسات دولة أسيرة الانحياز الحزبي والطائفي والعنصري والعقائدي ضد فكرة ”دولة“ أسمها العراق!

وثالثها: الخضوع للهزيمة والقبول بمعادلة مفادها: العراق محض وهم لن يعود أبدا.

بين هذه الخيارات قرر فرسان تشرّبوا ”العناد العراقي“ العتيق، عقد مؤتمر ”للمعارضة السياسية“ يهدف لصياغة وثيقة وطنية تمثل عقدا اجتماعيا لـ(عراق) جيل الحالمين من أحفاد سومر وأكد وبابل وأشور من جهة، وبين عبيد الأجانب الذين أغرقوا البلد بفسادهم وحماقاتهم ورواسب الحقد التي ملأت رؤوسهم.

قد لا يكتب لهذا ”المؤتمر“ النجاح، بحكم الغيلة والغدر وتواطؤ النافذين في قمع الارادة العراقية، وقلّة الخبرة لدى شباب تشرين، لكنه سيبقى الفرصة الذهبية ”للجميع“ في التوصل الى تفاهمات ”سلمية“ وطنية ”شاملة“ تعيد للعراقيين ثقتهم بالتغيير السلمي نحو الدولة الجامعة.

غيث التميمي
2021/6/6

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى