أراء

حين ننشد العدالة!

حين ننشد العدالة!

سعي الإنسان من أجل تحقيق العدالة تقف خلفه دوافع أسمى من دوافع المتديّنين من أجل كسب رضى الله من الناحية الإنسانية والدنيوية، لأن دوافع الإنسان من أجل كسب رضى الله تفترض أن الله منفعل غاضب متهور قادر، يستعذب إذلال الإنسان ويستغل ضعفه عن التمرد على قوته المطلقة، وهنا يكون هذا السعي من قبيل سعي الضعيف الحكيم لكسب رضى القوي المتجبر دفعاً لجبروته وبأسه، وفي هذه الفرضية يكون الإنسان أكثر حكمة من الله ويكون الله مجرداً عن جميع صفات الكمال والحكمة والجمال.

وإن سعي المتديّن لكسب رضى الله عن طريق إشاعة الرعب منه سبحانه وإدمان الخوف من قوته وقدرته وجبروته وعذابه، يكتنف إدانة أخلاقية لله سبحانه، كما أنه يُربي الإنسان على أخلاق العبيد ويطبعهم بطباع المستضعفين، ولو تصفحنا الموروث الإسلامي مثلا، سنجد إشارات عظيمة في إدانة هذا السعي، منها ما ورد في سورة النساء الآية (97) {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} تقبّح هذه الآية الخضوع والركوع والقبول بالإستضعاف، وتدعو المؤمن الى الهجرة من أجل الكرامة، بل وتعدّ الخضوع والتسليم للإستضعاف سبباً كافياً لاستحقاق جهنم والمصير السيء.

وقد ورد عن الإمام علي ع أنه قال ( إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنّتك، ولكنّي وجدتك أهلاً للعبادة فعبتدك) وكذلك ورد عنه أنه قال (إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار) هذه النصوص وغيرها تؤكد أن المسلمين الأوائل كانوا يدركون معنى أن تكون العلاقة الأكثر رفعة وجلالًا مع الله هي العلاقة التي تتاسس وفق مبدأ الحرية والكرامة.
وبالعودة لدوافع الإنسان من أجل تحقيق العدالة، مقارنة بدوافع المتديّن لكسب رضى الله ؛ نلحظ أن النضال من أجل العدالة نضال من أجل قضية حقيقية، تتصل بصورة مباشرة بالمصالح العامة للبشر، وتنعكس بصورة مباشر على أخلاقية الحياة، ثم أنها قضية قابلة للقياس، ملموسة الأثر، ينتفع منها المناضلون في سبيلها وغيرهم على السواء، بل قد يكون المناضلون من أجل العدالة هم أشد الناس تضحية في سبيلها، وأقلّهم استفادة منها، بينما في الجانب الآخر نجد الساعين لكسب رضى الله من المتديّنين لا يملكون قضية تتصل بالمصالح العامة للبشر بصورة مباشرة، كما أن هدفهم المعلن ذاتي وشخصي لا يخلو من الأنانية، ولا يوجد أثر دنيوي قابل للقياس ينعكس بالفائدة على البشرية من سعيهم هذا، والفائدة المرجوّة من هذا السعي تنعكس على شخص المتديّن حسب الفرضية الدينية، ولا ينتفع منها غير المتديّن لا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة.

تكشف هذه القراءة عن التفاوت الأخلاقي الكبير بين الأهداف الدينية الضيقة مقارنة بالأهداف الإنسانية السامية والنبيلة، وتتعاظم قيمة هذه القراءة حين نطلّع على أهمية النضال من أجل العدالة وشرفيته في النصوص الدينية، ومما ورد في القرآن الكريم { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90] و قوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء:135] و قوله { فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [الشورى:15] وغيرها من الآيات التي تحث الإنسان على الإجتهاد والنضال في سبيل تحقيق العدالة، ويوجد عدد كبير جدا من الأحاديث والروايات التي تشدد على وجوب السعي من أجل تحقيق العدالة، بل يقدم الدين نفسه في سياقه الدنيوي بوصفه الرؤية الإلهية العادلة في الحياة، وهذا الجانب يؤكد على أن العدالة قيمة سامية مقدسة بذاتها، لدرجة أن الله (الديني) يقترح إستراتيجيات تساعد الإنسان للوصول اليها.

وقبل أن نثير السؤال الأكثر تعقيداً في هذا المجال وهو (ما هي العدالة؟) ينبغي أن نتفق في نهاية هذه الحلقة على أن المناضل من أجل العدالة الدنيوية أجلّ شأناً ومكاناً من المتديّن العابد الساجد المسبح المتصدق المجاهد في سبيل الله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أما الأجابة عن السؤال الأشد تعقيداً فسوف أتركها للحلقات القادمة من هذه السلسلة إذا وفقت لذلك.

غيث_التميمي

2019/6/11

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى